عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي
98
الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل
هذه الأسماء ، والمراد بقولي بجملته أنه من كل وجه وبكل اعتبار ، فالموجودات صورة لكل اسم من أسماء المرتبة ، بخلاف أسماء الجمال والجلال ، فإن الموجود مظهر لكل اسم منها بوجه واحد ووجوه متعددة منحصرة باعتبار أو باعتبارات منحصرة فافهم . ومن الأسماء المشتركة ما يقتضي أن يكون الوجود بأسره مظهره ، ولكن لا من كل الوجوه كاسمه البصير واسمه السميع واسمه الخالق والحكيم وأمثال ذلك ، ومن الأسماء المشتركة ما لا يقتضي أن يكون ظهور الموجودات على صورتها كاسمه الغنيّ والعدل والقيوم وأمثال ذلك ، فإنها ملحقة بالأسماء الذاتية لكنا جعلناها من القسم المشترك لما فيها من رائحة الجمال والجلال فافهم . فإذا علمت هذا فاعلم أن العبد الكامل مظهر لهذه الأسماء جميعها المشتركة وغير المشتركة ذاتية كانت أو جلالية أو جمالية ، فالجنة مظهر الجمال المطلق والجحيم مظهر الجلال المطلق ، والداران دار الدنيا ودار الآخرة بما فيهما ما خلا الإنسان الكامل منها مظاهر الأسماء المرتبة بخلال الأسماء الذاتية ، فإن الإنسان وحده مظهرها ومظهر غيرها ، فما لغيره من الموجودات فيها قدم البتة وإليه الإشارة بقوله : إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا « 1 » وليست الأمانة إلا الحقّ سبحانه وتعالى بذاته وأسمائه وصفاته ، فما في الوجود بأسره من صحت له الجملة إلا الإنسان الكامل ، ولهذا المعنى أشار عليه الصلاة والسلام إلى ذلك بقوله : « أنزل عليّ القرآن جملة واحدة » « 2 » فالسماوات وما فوقها وما تحتها والأرض وما تحتها وما عليها من أنواع المخلوقات عاجزة عن التحقق بجميع أسماء الحق وصفاته ، فأبين منها لعدم القابلية وأشفقن لقصورها وضعفها ، وحملها الإنسان الكامل إنه كان ظلوما أي لنفسه ، لأنه لا يمكن أن يعطي نفسه حقها ، إذ ذاك منوط بأن يثني على اللّه حق ثنائه ، وقد قال اللّه تعالى : وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ « 3 » وكان الإنسان ظلوما ، يعني ظلم نفسه بأنه لم يقدرها حق قدرها ، ثم اعتذر الحق له في ذلك بأن وصفه بقوله جهولا ، يعني أن قدره عظيم وهو به جهول وله المعذرة إذا لم يقدرها حق قدرها بثنائها على اللّه حق الثناء ، ولهذه الآية وجه ثان ، وهو أن يكون ظلوما اسما للمفعول ، فيكون الإنسان ظلوما أي :
--> ( 1 ) آية ( 72 ) سورة الأحزاب . ( 2 ) مسند الربيع بن حبيب 1 / 8 . ( 3 ) آية ( 91 ) سورة الأنعام .